لو أن القوى المعارضة التي قررت مقاطعة الانتخابات العامة في السودان بطرق ووسائل مختلفة لديها قدر من حسن النية وتوخت الموضوعية فإن عملية المقاطعة لن تكلفها سوى جهد اعلامي تقوم فيه بإيصال هذه الرغبة لمنسوبيها أو من تعتقد انهم مؤيدون لها. إذ ان الافتراض هنا -جدلاً طبعاً- أن هذه القوى المعارضة لديها مؤيدين وجماهير و(معاقل مغلقة) والافتراض ايضاً أنها تملك (مسحاً جغرافياً) وخارطة واضحة لهؤلاء المؤيدين وهذه المعاقل، إذن ما عليها سوى ان توصل رسالتها (لمن يهمهم الامر) ثم تنتظر النتائج، ففي خاتمة المطاف فإننا حيال عمل سياسي سلمي تحترم فيه هذه القوى القرار الحكومي بقيام الانتخابات، وتحترم فيه رغبة الناخبين السودانيين الراغبين فى ممارسة حقهم الديمقراطي، وتحترم فيه ايضاً قرارها هي بالمقاطعة بأقصى وسيلة حضارية محترمة ممكنة.
غير أن الامر المقلق والمثير للريبة حقاً في هذا المنحى ان قوى المعارضة اعطت دلائل وقرائن عديدة على انها تستهدف بالأساس افساد العملية الانتخابية عن طريق التخريب وانتظار طوفان فوضى. شواهدنا على ذلك عديدة، أولها الاختلاف البالغ الغرابة ما بين قوى المعارضة في طريقة وأسلوب عملية المقاطعة نفسها.
صحيح ان هذه القوى المعارضة اشتهرت شهرة واسعة النطاق على استحالة اتفاقها فيما بينها على أمر من الامور وأن الامر يمكن قراءته فى هذا السياق، ولكن المثير للريبة هنا، ان الأمر بدا وكأنه (مفاصلة) ما بين اليسار واليمين، ففي حين اعتمد اليسار (الشيوعي والمؤتمر السوداني والبعث بشقيه) اسلوب الانتخابات الموازية، قالت قوى (الاصلاح الآن ومنبر السلام العادل والشعبي) أنها اعتمدت وسائل اخرى!
الراجح هنا من خلال التمعن في هذا الاختلاف ان القوى التى اختارت الانتخابات الموازية تستهدف (خلط الاوراق) واشاعة قدر من البلبلة (وفق الطريقة الطلابية المعروفة عن اليسار السوداني) وأن الهدف النهائي هو إفساد العملية وتخريبها ولو أدى ذلك الى انزلاق البلاد في مستنقع مواجهة دامية. إذ ان اليسار ليس لديه ما يخسره فهو اصلاً خاسر خاسر ولا ناقة له ولا جمل في مجمل الحراك السياسي.
قوى اليمين المعارضة الاخرى لسواء لكونها تحترم العمود الفقري والنواة السياسية للدولة وتتخوف من هذا السيناريو -ولا شك ان لديها أسبابها- فآثرت النأي بنفسها عن هذا الامر تحاشياً للمسئولية لاحقاً.
ثانياً: مصطلح الانتخابات الموازية على غرابته إلا أنه فيما يبدو جرى إلباسه هذا الثوب لإخفاء حقيقة نوايا اصحابه! إذ ان من الطبيعي فيما يبدو ان تجري انتخابات عامة في أي بلد بوتيرة واحدة وتنظمها جهة واحدة ويتجه الناخبون لجهة واحدة للإدلاء بأصواتهم، وما من شك ان إقامة سرادق وصناديق اخرى -في توقيت متزامن- هي محاولة لشق الصف الوطني شقاً حاداً ومتزامناً، الأمر الذي يقود في الغالب الى خلق معسكرين متحفزين، وربما تسهم عملية الاستفزاز هنا أو محاولة الاستهزاء هناك الى إشتعال المعارك بين الطرفين.
ثالثاً: ان مجرد العزم على (وضع صناديق اخرى)، مجرد هذا العزم معناه المجرد ان هناك طرف يرغب فى بخس الآخر بضاعته والتقليل من عمليته، وهذا أمر ليس له مسمى سوى كونه عملية تخريب واضحة ومتعمدة لاستحقاق دستوري منصوص عليه في الدستور.
رابعاً: الاخطر من كل ذلك ان اصحاب هذا المقترح المشئوم نسوا أنهم بهذا المسلك يؤرخون لسابقة سياسية مقيتة من شأنها ان تفسد في المستقبل اية عملية مماثلة، ففي السياسة كما في القانون فإن الاعراف والتقاليد والسوابق لها سطوتها وتأثيرها الخطير واذا ما قدر لبلد مثل السودان ان يتسم بطابع الانتخابات والانتخابات المضادة فإن النزاعات سوف تنتقل من الملعب العسكري البعيد عن الملعب السياسي الى الملعب الديمقراطي الانتخابي ولن تصلح أبداً ولن تصح اية عملية انتخابية ونكون بذلك قد أسسنا لعملية لم يسبقنا عليها أحد، وهي هدم العملية الوحيدة المتعارف عليها دولياً للتداول السلمي للسلطة. من المؤكد ان هؤلاء الذين اعدوا العدة لهذا الامر ليسوا في كامل وعيهم السياسي.







0 التعليقات:
إرسال تعليق