الخميس، 27 يونيو 2013

الإدارة السياسية لأزمة السد الإثيوبي

بقلم: عاطف الغمري
اشتعلت أزمة “سد النهضة” الإثيوبي، وكأنها حريق أشعلت شرارته رياح، لم تكن قد رصدتها مراكز الأرصاد الجوية المختصة . . فهل كانت كذلك؟

الأزمة في حقيقتها لم تكن مفاجأة، فقد سبقتها تحذيرات بناء على دراسات علمية، تنبئ بأنها ليست مستبعدة الحدوث .
ثم فوجئنا، نحن المصريون، بالوزير المختص بمياه النيل، يقول في حوار تلفزيوني، إنني فوجئت عن طريق الإعلام، بأن إثيوبيا بدأت بناء سد النهضة، لتحويل مجرى النيل الأزرق الذي يعد المورد الرئيس لوصول مياه النيل إلى مصر .
وسبق هذا التصريح بنحو ستة شهور معلومات منشورة تقول إن ما يخص هذا المشروع قد نقل إلى مجلس الوزراء، والوزراء المعنيين، وإلى الرئاسة . . فأين المفاجأة إذاً؟

وطوال عامي 2009 و،2010 عقدت في مصر ندوات ومؤتمرات عديدة، شارك فيها كبار الخبراء المختصين بهذا الموضوع، منها مؤتمر عقده المجلس المصري للشؤون الخارجية، ومؤتمر آخر كان السد في جدول أعماله وشارك فيه خبراء في مياه النيل، ومفكرون سياسيون، ومركز الدراسات المستقبلية بجامعة أسيوط، وكنت أحد المشاركين في المناسبتين .

بل إن الموضوع يعود إلى سنوات طويلة مضت، ترجع إلى الستينات منذ أيام الإمبراطور هيلاسلاسي حين خرج المشروع كفكرة، تضيف موارد إلى دولة تفتقر إلى كثير من الموارد .

لكن تحويل الفكرة إلى واقع على الأرض، لم يبدأ وبصورة معلنة، إلا العام ،2010 حين راحت إثيوبيا تؤكد عزمها بناء هذا السد، فأين المفاجأة؟

وعندما بدأت الدولة في مصر تتعامل مع الأزمة، جاءت خطواتها بطيئة، تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة ومحددة وعاجلة، للتعامل مع مشكلة بهذه الخطورة .

ومن المعروف في إدارة شؤون الحكم، أنه عندما تتولى السلطة حكومة جديدة، فإنها تبادر في الحال، إلى فتح الملفات العاجلة التي يمكن أن تحمل تهديداً للأمن القومي، وعلى رأسها بالطبع مشروعات تحويل مجرى النيل .

ويبادر الوزراء إلى دراستها في الحال، ثم عرض النتائج في اجتماعات مجلس الوزراء للمناقشة، واتخاذ القرارات اللازمة، والاستعانة بالخبراء المختصين بجميع جوانب المشكلة، وبعلماء في مجالات المياه والنيل، والتخطيط، والقانون الدولي، والعلاقات الدولية . وبناء على رؤيتهم، توضع استراتيجية متعددة الأبعاد، للتعامل مع الأزمة .

وتحرص دول كثيرة على تنظيم مؤتمرات وورش عمل للمختصين بإدارة الأزمات، لتجديد معلوماتهم، وتطوير آليات عملهم . ولا تكتفي الحكومات بالاعتماد على وزرائها ومسؤوليها فقط، بل تلجأ إلى المختصين من خارج الدائرة الرسمية .

وطوال السنوات العشر الماضية، اهتمت معظم دول العالم، ببرامج إدارة الأزمات، بدءاً من الكوارث الطبيعية، إلى الزلازل، والحوادث الصناعية، والحرائق، والأوبئة، والإرهاب، ثم أضيفت إليها قضية ندرة المياه، واحتمال أن يعرف العالم حروب المياه . وكانت هذه البرامج تركز على وضع إجراءات مسبقة تمنع الأزمة قبل وقوعها . وضمن هذه النماذج - على سبيل المثال - برنامج أعدته جامعة هارفارد للمختصين بإدارة الأزمات، يتصور احتمال حدوث زلزال تتعرض له مدينة سان فرانسيسكو خلال 30 عاماً من الآن . وأرسلوا بالفعل خبراء ودارسين إلى هناك، لعمل دراسات ميدانية للموقع المحتمل أن يقع فيه الزلزال، وإجراء دراسات شاملة حتى يمكن أن تأتي الإجراءات المطلوب تجهيزيها مبكراً، مستندة إلى أسس واقعية وليست نظرية تماماً، وبهدف الخروج من تبعات الأزمة بسرعة، حال وقوعها .

إن إدارة الأزمات السياسية بين دولة وأخرى، لا تتوقف على عنصر توازن القوة وحده، بل يمكن إدارتها حتى لو كانت الدولة الحاضرة بالأزمة، في موقف توازن ضعف نسبي، طالما أنها تستطيع عن طريق الإرادة الوطنية لقيادتها السياسية، أن تنجح في استثمار عنصر آخر تنفرد به الدولة وشعبها . مثال على ذلك، ما كان هنري كيسنجر قد شرحه في كتابه عن الدبلوماسية، من أن أي رئيس دولة عاقل في مصر، لم يكن ليفكر في الدخول في حرب مع “إسرائيل”، كما حدث في أكتوبر ،1973 بسبب التفوق النوعي ل”إسرائيل” في التسلح .

وأضاف كيسنجر “لكن مصر كانت تملك سلاحاً آخر حقق لها توازن القوة مع “إسرائيل”، وهو إرادة المصريين القوية لتحرير أرضهم من احتلال أجنبي، والتي ظهرت بقوة وهم يعبرون قناة السويس” .

إن ما أشار إليه كيسنجر، يظهر لنا، عنصراً جوهرياً وحيوياً في إدارة الأزمات، وهو أن نجاح عنصر الإرادة الوطنية كسلاح لتحقيق التوازن، يتطلب وضوحاً تاماً في موقف القيادة السياسية، واقتناع الرأي العام، بأنها تملك رؤية، تتيح لها التصرف وفق خطة قائمة على أسس علمية، وهو ما يؤدي إلى خلق حشد شعبي عام داعم للقرار السياسي للقيادة السياسية . وليس المقصود هنا الحرب، لكنها حشد جميع عناصر الضغط والتأثير الدبلوماسي محلياً وإقليمياً ودولياً .

ولا تقوم إدارة الأزمات على صناعة القرار السياسي، في مواجهة الأزمة عندما تظهر ملامحها، بل إن ذلك لا يتم إلا من خلال امتلاك الدولة استراتيجية للسياسة الخارجية، تتبصر كل ما يشكل تهديداً للأمن القومي على المدى البعيد، والإعداد للتعامل مع مثل هذه التهديدات ببدائل متعددة، ولو كانت بعض هذه التهديدات مستبعدة، لكن السياسة الخارجية لا تدار إلا على هذا النحو الذي يضع الدولة في مركز قوة، واستعداد، في حالة ما إذا وجدت نفسها أمام تهديد فعلي لأمنها القومي، وسلامة شعبها .

0 التعليقات:

إرسال تعليق