الخميس، 13 يونيو 2013

التفاوض مع قطاع الشمال بين الحقيقة والأكذوبة!

بسرعة لم تكن متوقعة إنكشفت أسباب فشل المفاوضات حول أزمة المنطقتين، جنوب كردفان والنيل الأزرق. ولن نغالي إن قلنا أن ذات المطبخ السياسي الذى يملك أدوات طهي حديثة ومتقدمة والذي نجح فى تمرير طبخة إقحام التفاوض مع قطاع الشمال فى النزاع السوداني الجنوبي المضمن فى القرار الدولي 2046 هو نفسه المطبخ الذي أشرف بعد ذلك على طبخ الهجوم على كردفان.
الفكرة قريبة حد التطابق ما بين نيفاشا 2005 وأديس أبابا 2013 . تصعيد عسكري هائل، وملامسة متعمدة للوسط والاقتراب من المركز ثم لفت انتباه العالم بأسره لوضع حد للحرب. ولهذا فحين كشف عضو وفد التفاوض السوداني (حسين حمدي) عن أن وفد قطاع الشمال جاء (بغرض المناورة) ولم يجئ بغرض التفاوض كان بالفعل يلامس لب الحقيقة.
ولعل هذه الحقيقة – رغم بداهتها – فاتت وما تزال تفوت على الكثيرين من المراقبين والمشفقين الذين يعتقدون (بكل حسن النية المتوفر لديهم) إن المفاوضات المطلوبة ما بين الحكومة السودانية وقطاع الشمال مجرد مفاوضات عادية الغرض منها حل مشكلة المنطقتين أو وقف الحرب.
كثير من المراقبين تغُم عليه الأهداف والمرامي الحقيقية الكامنة وراء هذه المفاوضات المزعومة، فهي دون أدنى شك ليست مفاوضات بريئة وأسطع دليل هذا الهجوم السافر -وفى وضح نهار العالم- على مدن سودانية مع إمطئنان تام وثقة كاملة من قبل المهاجمين بأن المجتمع الدولي لن يدين فعلتهم هذه.
ليس هناك أدنى قدر من المنطق يجعل المجتمع الدولي يقف متفرجاً على مجموعة مسلحة، خرجت من المفاوضات للتو، وهنالك تاريخ مؤجل لجولة أخرى تهاجم مدنيين آمنين وتحتل مدينة وتقتل وتذبح وتشرد، لا يمكن لأمر كهذا أن يحدث لولا أنه (خطة مجازة) .
هنالك على اقل تقدير (انحياز دولي) تقوده واشنطن شكل غطاءً سميكاً للمتمردين فى الثورية وقطاع الشمال لفعل ما فعلوا! ولهذا يمكن أن نخلص -بدون عناء- أن المقصود فى جوهر هذا الحراك ليس التفاوض من أجل استكمال العملية السلمية فى المنطقتين ولكن المقصود عدد من الأهداف الإستراتيجية، نشير منها الى جزء يسير فقط لتتكفل الحوادث والأيام المقبلة بالكشف عن الباقي.
ففي جانب أول من هذه الأهداف -وببساطة شديدة للغاية ومهما بدت للبعض ساذجة- المقصود تدمير الدولة السودانية بكاملها- كأجهزة ومؤسسات وموارد بشرية- على غرار ما جرى فى العراق عام 2003م، الفارق الوحيد هنا، الحرب على العراق قادتها واشنطن وحلفائها، وهذه المرة بالنسبة للسودان، عبر وكلاء محليين وبإشراف جنوبي مباشر.
وفكرة تدمير الدولة السودانية تقع ضمن نطاق مفهوم (الفوضى الخلاقة) كمبدأ استراتيجي أمريكي ما يزال قيد التنفيذ لدول بعينها يُراد إعادة صياغتها بطريقة مختلفة عن طريق التفاعل التاريخي وتتابع السنوات وتداخل الأمور ومحاربة المجموعات السياسية المختلفة لبعضها، وبعد عقدين أو ثلاثة أو حتى نصف قرن تتشكل دولة جديدة مغايرة كلية عن الدولة السودانية العربية الإسلامية الإفريقية المسلمة.
الأمر هنا أكبر من مجرد عبارة السودان الجديد. وفى جانب ثاني فإن المقصود أيضاً محاولة تفكيك بنية الجيش السوداني بالإكثار من الجبهات والثغرات العسكرية وهذه هي أيضاً تقع ضمن أهداف إعادة صياغة الدولة السودانية ونحن رأينا هذا الأمر (بالنص) فى وثيقة الفجر الجديد الممهورة بتوقيع من وقعوها. فقد ورد نص صريح بضرورة التخلص من الجيش السوداني تماماً وبناء جيش جديد قوامه جيوش القوى المسلحة المتمردة!
وفى جانب ثالث فإن المقصود أيضاً إعادة شغل ذهن السلطة الحاكمة بأزمة محلية أخرى ذات أبعادة دولية تماماً مثل اتفاقية نيفاشا 2005 حتى تستثمر واشنطن فيها سياسياً وتصفي حساباتها مع الخرطوم فى سهولة يسر. وهناك الكثير كما أشرنا مما لم يكشف عنه بعد ليتأكد أن هذا التفاوض ليس سوى أكذوبة!

0 التعليقات:

إرسال تعليق