قاد السودان حملة دبلوماسية أفريقية لإقناع القارة الأفريقية بأن المحكمة الجنائية الدولية ما هي إلا أداة سياسية أريد بها تطويع دول القارة الأفريقية بإستهداف رؤساء ورموز الدول، واتجهت القارة الأفريقية لاعتماد دراسة مقترح الإنسحاب من الجنائية الذي تم طرحه خلال القمة (26) للإتحاد الإفريقي التي انعقدت في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا يومي 30 و31 يناير 2016م، حيث وصفت القمة المحكمة بأنها محكمة انتقائية تستهدف الرؤساء الأفارقة على سدة الحكم، وأنها تتعامل بمكيالين في تعاطيها مع الإنتهاكات والخروقات التي تحدث في العالم وجعلت من أفريقيا هدفاً للتركيز عليها وملاحقة القادة الأفارقة.
منذ أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف ضد الرئيس البشير أعلنت العديد من دول القارة الأفريقية رفضها لقرار التوقيف، مجمعة على أن قرار المحكمة يتعارض مع مقتضيات الحصانة الدولية للرؤساء، وأن المحكمة يمكن أن تعتبر سابقة تمثل مدخلاً لإنهيار منظومة العلاقات الدولية الأفريقية، وهيمنة للدول الكبرى على مقدرات الدول الأخرى في المجتمع الدولي.
وتُبرر المحكمة تركيزها على الزعماء الأفارقة دون غيرهم من زعماء العالم، بالقول إنها لا تستطيع التدخل إلا عندما تكون السلطات المحلية غير قادرة، أو غير راغبة في ملاحقة المتهمين قضائياً.
تأسست المحكمة الجنائية الدولية في 2002، وتضم (123) دولة، بينها (34) بلداً إفريقيا ومنذ إنشائها فتحت المحكمة تحقيقات في (7) قضايا تعلقت جميعها بالقارة الإفريقية، وهي أوغندا، جمهورية الكونغو الديمقراطية، أفريقيا الوسطى، السودان (دارفور)، كينيا، ليبيا وكوت ديفوار.
وعلى الرغم من عدم تعاون الدول الإفريقية مع المحكمة الجنائية إلا أن المدعية العامة للمحكمة ظلت تطالب مجلس الأمن بإتخاذ إجراءات حاسمة، كما أنها ظلت تحاول أيضاً ابتكار طرق مختلفة لتوقيف المسؤولين السودانيين، وتردد أن العملية القضائية لا يمكن أن تتم دون اعتقالات، متجاهلة المعايير المزدوجة والدور السياسي الذي تلعبه المحكمة، تناقض مواد وأحكام النظام الأساسي المُنظَم لعمل المحكمة.
تشير المتابعات إلى توصل وزراء دول الإتحاد الأفريقي خلال اجتماعهم الـ(29) مؤخراً قبيل انعقاد قمة رواندا إلى توصية مفادها عقد الدول الأفريقية الأعضاء الموقعة على ميثاق روما والبالغ عددها (34) دولة، اجتماعاً في نوفمبر القادم لبحث قرار الانسحاب الجماعي من المحكمة الجنائية الدولية ومن المتوقع أن تشهد القمة الأفريقية القادمة، التي تنعقد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في يناير 2017، قرار الإنسحاب الأفريقي الجماعي من المحكمة الجنائية.
دأبت المحكمة الجنائية الدولية على مخاطبة مجلس الأمن الدولي بضرورة توقيف الرئيس البشير وقررت الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية أن جمهوريتي أوغندا وجيبوتي فشلتا في الإمتثال لطلب اعتقال وتسليم الرئيس البشير إلى المحكمة وأحالت الأمر إلى جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
لكن القانونية والمختصة في المحكمة الجنائية الدولية د. رحاب مبارك أوضحت أن مجلس الأمن الدولي ليس بمقدوره التحرك مجدداً في ظل ميثاق الأمم المتحدة والأحكام التي تنظم أعمال مجلس الأمن، وفي ظل أحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واللوائح المنظمة لعمل المحكمة والتي تحمل الكثير من التناقضات، وتضيف د. رحاب أن السودان ظل يقود الإتجاه عبر الدول الصديقة بموجب المادة (127) من النظام الأساسي والتي تقرأ (لأي دولة طرف أن تنسحب من النظام الأساسي بموجب إخطار كتابي يوجه إلى الأمين العام للأمم المتحدة ويصبح هذا الإنسحاب نافذاً بعد سنة من تاريخ تسلم الإخطار ما لم يحدد الإخطار تاريخاً لاحقاً) وأي عدد يقرر الإنسحاب من المحكمة سيكون له تأثير قوي، وما كان قرار قمة جوهانسبيرج الأخير الذي ورد في البيان الختامي بإجماع الإتحاد الأفريقي بإيقاف ملاحقة الرؤساء الأفارقة إلا خطوة للإنسحاب من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية، وسبق ذلك توصيات قمة الإتحاد الأفريقي مما يؤكد رفض التعاون مع المحكمة.
يبدو أن إستهداف محكمة الجنايات الدولية لقادة القارة الأفريقية إلى جانب ما رشح من فضائح تلقي رئيستها وعدد من قضاتها رشاوي لشراء شهادات الزور وما إستحدثته المحكمة حول ما يسمى بالتحقيق بواسطة الوسطاء جميعها أسباب جعلت الإتحاد الإفريقي في انتظار أن تتراجع (34) دولة موقعة ومصادقة على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي قد يلقي بظلاله السالبة على مصداقيتها خاصة وأنها تعاني نقصاً في التمويل بعد إحجام بعض الدول عن تمويلها، وفي حال تنفيذ مقترح الإنسحاب الجماعي للدول الأفريقية عن المحكمة هل تجد الجنائية سلطة تمارسها على دول الإتحاد الأوربي والولايات المتحدة التي ظلت تؤيد توجهاتها تجاه الأفارقة رغم أن معظمها لم يوقع على ميثاق روما أساساً؟







0 التعليقات:
إرسال تعليق