بقلم: محمد خليفة
ليس هناك أسمى من العدالة في الوجود الإنساني، فبها قيام المجتمعات والدول، وقد اعتبرها أرسطو، الفضيلة التي تنطوي تحتها، وتترتب عليها، جميع الفضائل السياسية الأخرى، بل إن قيمة العدل تبدو شرطاً أساسياً لوجود الدولة بتنظيمها
ليس هناك أسمى من العدالة في الوجود الإنساني، فبها قيام المجتمعات والدول، وقد اعتبرها أرسطو، الفضيلة التي تنطوي تحتها، وتترتب عليها، جميع الفضائل السياسية الأخرى، بل إن قيمة العدل تبدو شرطاً أساسياً لوجود الدولة بتنظيمها
القانوني والاجتماعي والسياسي، فإذا وجد العدل في مجتمع بشري وجدت الدولة، وإذا غاب العدل انعدم وجود الدولة.
والعدالة مفهوم أخلاقي يقوم على الحق والأخلاق والعقلانية والقانون، أما أهدافها فهي تحقيق الإنصاف والمساواة والتوازن وعدم التعدي وحماية الحقوق الفردية والعامة، والعدالة هي القوانين الطبيعية التي وجدت مع وجود الكون، وتحقيقها في ما يتعلق بالبشر يرتبط بمدى إدراكهم وفهمهم للرسالات السماوية التي توضح الغاية التي ارتضاها لهم خالقهم.
وقد عانت البشرية عبر تاريخها الطويل من مظالم كثيرة، اقترفها بعض البشر في حق إخوانهم الآخرين، فدمرت مدن، وسقطت حضارات، وتلوثت صفحات التاريخ بمداد من دماء الأبرياء سفكت دماؤهم في مذابح جماعية يندى لها جبين الإنسانية خجلاً.
ومع انبلاج عصر التنوير وإدراك الإنسان لذاته، ظهرت مفاهيم سياسية واجتماعية جديدة، وساهمت الحربان العالميتان الأولى والثانية - بما ارتكبت فيهما من جرائم دفع ثمنها المدنيون الأبرياء من دمائهم - في بلوغ البشرية مستوى متقدماً من الوعي بأهمية إقامة العدالة الدولية ومنع الظلم والتعدي، وكانت محاكمات مجرمي الحرب العالمية الثانية، ومن ثم مجرمي حرب البوسنة بمثابة بداية لظهور عصر العدالة الدولية، الذي تجسد بتأسيس المحكمة الجنائية سنة 2002، كأول محكمة لها ولاية عالمية قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجرائم الاعتداء.
وفي سابقة هي الأولى من نوعها، فقد تسلمت هذه المحكمة من مالي متهماً بتدمير أضرحة أثرية في مدينة تمبكتو، وهو المعروف بأبي تراب الذي دمر عشرة أضرحة، ومساجد مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو، ويأتي اعتقال هذا المتهم بعد دعوى قضائية رفعتها المديرة العامة لمنظمة اليونيسكو أيرينا بوكوفا أمام المحكمة الجنائية الدولية في التاسع عشر من يوليو/تموز 2015، بشأن تدمير المتطرفين أضرحة أثرية في مدينة تمبكتو أثناء سيطرتهم على شمال مالي 2012- 2013. والواقع أن محاكمة هذا الشخص تفتح المجال واسعاً أمام محاكمة الفكر المتطرف الذي يعتنقه المتطرفون، فما قام، ويقوم به هؤلاء من تدمير للأضرحة والآثار أينما يحلون، يندرج وفق قناعات إيديولوجية خاطئة تعتبر ذلك نوعاً من الشرك وعبادة الأوثان، وبالتالي فالمتطرف يعتبر نفسه يؤدي واجباته تجاه معتقده بتدمير الأضرحة والآثار.
وهنا يبرز السؤال حول ما إذا كانت المحكمة قادرة على إدانة هذا المتهم بالجرم المسند إليه، ألا وهو تدمير أضرحة قديمة في تمبكتو، وإذا كانت قادرة على ذلك، فإن قرارها سيعني إدانة ذلك الفكر المنحرف والمتخلف الذي يعتنقه هؤلاء المتطرفون، كما أن القرار قد يكون له أصداء واسعة على مستوى العالم، فقد تأخذه جهات دولية لرفع دعاوى مماثلة، فمثلاً في عام 2001 دمرت طالبان والقاعدة تماثيل بوذية في باميان بأفغانستان، وقد احتجت دول كثيرة على ذلك الفعل، لكن المنفذين لتلك الجريمة فروا بجريمتهم، فمنهم من لقي حتفه، والبعض الآخر لا يزال مطارداً يعيش في الكهوف والأدغال.
وقد شهدت سوريا والعراق جرائم مماثلة، فقد قام «داعش» في العراق بتفجير مقام النبي يونس، عليه السلام، الذي مر عليه أكثر من ثلاثة آلاف عام، وضريحي جرجيس وشيث في مدينة الموصل، كما قامت الفصائل التي تقاتل في سوريا، بتفجير ونبش عشرات المقامات والأضرحة منذ عام 2012، وشملت عمليات التفجير أضرحة صحابة وتابعين وصوفيين في مدينة حلب، وغيرها من المدن الأخرى.
إن ما يدعو إلى الأسى هو أن العالم أجمع بات مشغولاً بمصائب المتطرفين، وأية مصيبة أكبر من المصيبة في العقل، حيث يتحول الجمال إلى فتنة، والتراث إلى معايير لاهوتية تقوم على الإيمان والكفر.
إن الأسئلة الجوهرية التي ينبغي أن تطرح في المجتمعات العربية تتعلق بواقع حياتها المتردي، فلماذا نشأ بينها هذا الفكر المتطرف؟! ولماذا تأتي أكبر نسبة مهاجرين على مستوى العالم من دولها؟! ولماذا لا يزال وعي الذات بينها يقف عند حدود القرون الوسطى، فلا يتقدم خطوة واحدة نحو عصر الأنوار؟! فلاشك أن أكبر عملية انفصال تاريخي تتمثل في أن هذه الشعوب العربية تعيش في عصر العلم، لكنها بعيدة كل البعد عن تمثّل هذا العصر والانخراط فيه، وإذا لم تعدْ هذه الشعوب ترتيب أمورها، ولم تقطع صلتها بالأفكار المتطرفة، فإنها ستبقى تعيش على هامش هذه الحضارة المعاصرة، ولن تنفعها كل المرويات التاريخية المزيفة في تغيير واقع حياتها البائس في شيء.
والعدالة مفهوم أخلاقي يقوم على الحق والأخلاق والعقلانية والقانون، أما أهدافها فهي تحقيق الإنصاف والمساواة والتوازن وعدم التعدي وحماية الحقوق الفردية والعامة، والعدالة هي القوانين الطبيعية التي وجدت مع وجود الكون، وتحقيقها في ما يتعلق بالبشر يرتبط بمدى إدراكهم وفهمهم للرسالات السماوية التي توضح الغاية التي ارتضاها لهم خالقهم.
وقد عانت البشرية عبر تاريخها الطويل من مظالم كثيرة، اقترفها بعض البشر في حق إخوانهم الآخرين، فدمرت مدن، وسقطت حضارات، وتلوثت صفحات التاريخ بمداد من دماء الأبرياء سفكت دماؤهم في مذابح جماعية يندى لها جبين الإنسانية خجلاً.
ومع انبلاج عصر التنوير وإدراك الإنسان لذاته، ظهرت مفاهيم سياسية واجتماعية جديدة، وساهمت الحربان العالميتان الأولى والثانية - بما ارتكبت فيهما من جرائم دفع ثمنها المدنيون الأبرياء من دمائهم - في بلوغ البشرية مستوى متقدماً من الوعي بأهمية إقامة العدالة الدولية ومنع الظلم والتعدي، وكانت محاكمات مجرمي الحرب العالمية الثانية، ومن ثم مجرمي حرب البوسنة بمثابة بداية لظهور عصر العدالة الدولية، الذي تجسد بتأسيس المحكمة الجنائية سنة 2002، كأول محكمة لها ولاية عالمية قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجرائم الاعتداء.
وفي سابقة هي الأولى من نوعها، فقد تسلمت هذه المحكمة من مالي متهماً بتدمير أضرحة أثرية في مدينة تمبكتو، وهو المعروف بأبي تراب الذي دمر عشرة أضرحة، ومساجد مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو، ويأتي اعتقال هذا المتهم بعد دعوى قضائية رفعتها المديرة العامة لمنظمة اليونيسكو أيرينا بوكوفا أمام المحكمة الجنائية الدولية في التاسع عشر من يوليو/تموز 2015، بشأن تدمير المتطرفين أضرحة أثرية في مدينة تمبكتو أثناء سيطرتهم على شمال مالي 2012- 2013. والواقع أن محاكمة هذا الشخص تفتح المجال واسعاً أمام محاكمة الفكر المتطرف الذي يعتنقه المتطرفون، فما قام، ويقوم به هؤلاء من تدمير للأضرحة والآثار أينما يحلون، يندرج وفق قناعات إيديولوجية خاطئة تعتبر ذلك نوعاً من الشرك وعبادة الأوثان، وبالتالي فالمتطرف يعتبر نفسه يؤدي واجباته تجاه معتقده بتدمير الأضرحة والآثار.
وهنا يبرز السؤال حول ما إذا كانت المحكمة قادرة على إدانة هذا المتهم بالجرم المسند إليه، ألا وهو تدمير أضرحة قديمة في تمبكتو، وإذا كانت قادرة على ذلك، فإن قرارها سيعني إدانة ذلك الفكر المنحرف والمتخلف الذي يعتنقه هؤلاء المتطرفون، كما أن القرار قد يكون له أصداء واسعة على مستوى العالم، فقد تأخذه جهات دولية لرفع دعاوى مماثلة، فمثلاً في عام 2001 دمرت طالبان والقاعدة تماثيل بوذية في باميان بأفغانستان، وقد احتجت دول كثيرة على ذلك الفعل، لكن المنفذين لتلك الجريمة فروا بجريمتهم، فمنهم من لقي حتفه، والبعض الآخر لا يزال مطارداً يعيش في الكهوف والأدغال.
وقد شهدت سوريا والعراق جرائم مماثلة، فقد قام «داعش» في العراق بتفجير مقام النبي يونس، عليه السلام، الذي مر عليه أكثر من ثلاثة آلاف عام، وضريحي جرجيس وشيث في مدينة الموصل، كما قامت الفصائل التي تقاتل في سوريا، بتفجير ونبش عشرات المقامات والأضرحة منذ عام 2012، وشملت عمليات التفجير أضرحة صحابة وتابعين وصوفيين في مدينة حلب، وغيرها من المدن الأخرى.
إن ما يدعو إلى الأسى هو أن العالم أجمع بات مشغولاً بمصائب المتطرفين، وأية مصيبة أكبر من المصيبة في العقل، حيث يتحول الجمال إلى فتنة، والتراث إلى معايير لاهوتية تقوم على الإيمان والكفر.
إن الأسئلة الجوهرية التي ينبغي أن تطرح في المجتمعات العربية تتعلق بواقع حياتها المتردي، فلماذا نشأ بينها هذا الفكر المتطرف؟! ولماذا تأتي أكبر نسبة مهاجرين على مستوى العالم من دولها؟! ولماذا لا يزال وعي الذات بينها يقف عند حدود القرون الوسطى، فلا يتقدم خطوة واحدة نحو عصر الأنوار؟! فلاشك أن أكبر عملية انفصال تاريخي تتمثل في أن هذه الشعوب العربية تعيش في عصر العلم، لكنها بعيدة كل البعد عن تمثّل هذا العصر والانخراط فيه، وإذا لم تعدْ هذه الشعوب ترتيب أمورها، ولم تقطع صلتها بالأفكار المتطرفة، فإنها ستبقى تعيش على هامش هذه الحضارة المعاصرة، ولن تنفعها كل المرويات التاريخية المزيفة في تغيير واقع حياتها البائس في شيء.






0 التعليقات:
إرسال تعليق