الخميس، 10 مارس 2016

زيارات الأمريكيين للخرطوم .. هل هى توجهات جديدة فى واشنطون؟


تنطوى الزيارة التى قام بها مؤخرا الى البلاد بعض الأمريكيين المقربين من دوائرصناعة القرار فى وشنطون على دلالة كبيرة، لجهة المؤشرات والإحتمالات التى يمكن أن تبنى بها فيما يتصل بمستقبل علاقات البلدين والقضايا الخلافية بينهما، حيث تضع واشنطون جملة من الشروط المسبقة لتطبيع العلاقات مع الخرطوم على رأسها تحقيق السلام فى البلاد!.
فى هذها الإطار، زار البلاد مؤخرا كل من المبعوث الأمريكى الأسبق للسودان برنستون ليمان والذى يعمل حاليا مديرا لمعهد السلام الأمريكى، كما تواترت الزيارات التى يقوم بها مسئولون امريكيون الى السودان، وهناك زيارة مرتقبة لمدير هيئة المعونة الأمريكية البلاد.
فالزيارة الأخيرة لوفد من المركز البحثية الأمريكية تجمع بين مستويات متعددة من التوقعات لاسيما قرب هذه المراكز من دوائر صناعة القرار، من المعروف أن مراكز التفكير الإستراتيجى (الثنك تانكس) تعتبر بمثابة “حكومات ظل” بالنسبة للادارات الأمريكية، ومن المعتاد أن يلتحق مسئول سابق باحد هذه المراكز البحثية أو العكس أن يلتحق باحث بالإدارة التنفيذية.
مميزات خاصة
يعتبر “المعهد الأمريكى للسلام” من أهم مراكز البحث الإستراتجي فى واشنطون وهو أنه يضطلع بادوار كبيرة فى صنع ورسم التوجهات الكبرى للسياسات الأمريكية.
ويحتضن المعهد بجانب انشطة عديدة، برنامجا لتدريب القيادات الشابة وهو برنامج (القادة الشباب فى السودان وجنوب السودان) منذ العام2013، وهو برنامج يعكس الإنخراط الأمريكى فى قضايا السودان ومساعى إشاعة التصورات الأمريكية فى هذه الصدد لدى الرأى العام الأمريكى والسودانى على حد سواء.
وبطبيعة الحال، ينظم المعهد الأمريكى ورش عمل وحلقات نقاش ويجرى أبحاث فى قضايا السودان المختلفة، فضلا عن الإستشارات التى يقدمها الى مؤسسات الإدارة الأمريكية الختلفة فيما يتصل بجهود السلام.
كما ان رسالة المعهد وتركيزها على موضوع السلام كان من الطبيعى أن توجه على السودان، لاسيما فى هذه المرحلة التى وصلت فيها جولات التفاوض حول المنطقتين عبر الجولات الرسمية وغير الرسمية الى آفاق مسدودة.
وربما شعر الأمريكيون أيضا أن تحركات دوائر أوروبية- بجانب روسيا ألمانيا- أخذوا ينخرطون فى الملف السودانى بوتيرة أكبر قد تسحب البساط من تحت أقدامهم فى حمأة إنشغالهم بملفات وقضايا أخرى.
ومن هنا تشعر بعض الدوائر الأمريكية وبالأخص اللوبيات أن دخول غير الأمريكيين سيصب فى صالح الحكومة ويضعف من حظوظ حركات التمرد فى أى تسوية قد يتم التوصل اليها تحت رعاية هذه الدوائر الداخلة حديثا فى المسألة السودانية.
لقاءات مُعبّرة
هذا وقد عقد الوفد الأمريكى لقاءات مع مستويات متعددة شمل مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس الحزب للشئون التنظيمية، ولقاءات مع ولاة بعض الولايات فى زيارات ميدانية، ورما يكون لقاءات مع مجموعات وفعاليات أخرى الى جانب قوى المعارضة.
وهناك إحتمال قائم وهو أن الزيارات ربما تشى رغبة أمريكية لقراءة الأفكار والمواقف الرسمية وإمكانية التأثير فيها او إحتمال ان يكون الطرف الأمريكى يرغب فى طرح رؤى جديدة للسلام فى البلاد ويريد أن يطلع عليها المسئولين قبل إعلانها رسميا او إثارة النقاش حولها، وما يعزز هذه التخمينات أفكار وخبرة برنستون ليمان على المستوى الشخصى، حيث عمل مبعوثا لبلاده للسودان وانخرط فى الشان السودانى وربما تكونت لديه تصورات جديدة لما يجب أن يكون علية الحل النهائى للنزاعات فى السودان.
الحلقة الأضعف
باتت المنظمات غير الحكومية ومجموعات الضغط المعادية للسودان فى واشنطون تشعر بخيبة الأمل تجاه إدارة أوباما وباتت تتحدث عن إرث أوباما فى السودان فى إشارة الى الفشل والعجز حسبما تراه هذه المجموعات، وتشعر هذه الجماعات بأنها الحلقة الأضعف فى واشنطون ومساواتها فى القضايا الخارجية.
على مستوى دوائر الإدارة الأمريكية ( وزارة الخارجية، مجلس الأمن القومى، وزارة الدفاع، والإستخبارات الأمريكية..ألخ) يعتبر السودان ملفا هامشيا بالقياس الى الملفات ذات الأهمية الإستراتيجية والقضايا الحيوية للمصالح القومية للولايات المتحدة الأمريكية.
ومن هنا ترى هذه الدوائر ضرورة ممارسة ضغوط على المجموعات المتمردة فى السودان ( دارفور، النيل الأزرق، جنوب كردفان) كى تقبل بالتسوية السياسية، بعد فشل التدابير المعتمدة تجاه السودان فى تليين موقف السودان، فضلا عن التحول فى الميزان العسكرى على الأرض والذى سيفرض حقائق قاسية من حيث النتائج السياسية والعسكرىة على حلفاء واشنطون فى البلاد مستقبلا.
إحتمالات راجحة
ومن المحتمل أيضا، أن تكون زيارة مبعوثين للمعهد للبلاد تندرج فى إطار بحث ميدانى حول تلك القضايا أو ربما إعداد دراسة ما، كما أنه من المرجح أيضا ان يكون الغرض إستشفاف وجهات نظر الدوائر السودانية المختلفة حول قضايا التسوية النهاية، فالولايات المتحدة ما تزال تعتبر إن من أكبر إنجازاتها أنها ساعدت فى تحقيق السلام فى السودان، عندما كانت النقاشات التمهيدية قبل التوصل الى “إتفاقية السلام الشامل” قد وضعت أسسها النظرية فى أروقة المعهد الدراسات الإستراتيجية الدولى بواشنطون، قبل أن تتحول الى خطط عمل قابلة للتطبيق على الأرض.
من المرجح أن يكون الطرف الأمريكى يبحث عن تسوية ما ولكن يبحث غن أفضل السبل والآليات لتحقيق تلك التسوية بعد أن توصلت واشنطون أن التغييرات الإقليمية والدولية قد تحجبها عن الإسهام فى مناصرة.
وخلال اللقاء مع الوفد الأمريكى طلبت وزارة الخارجية معهد السلام الأمريكي “بالضغط على الحركات المسلحة في دارفور والمنطقتين لتحقيق السلام”.
وقال السفير علي الصادق المتحدث باسم وزارة الخارجية إن الوفد الأمريكي نقل لغندور الهدف من زيارة الخرطوم التي تتمثل في (خلق علاقات عمل مع مراكز البحوث والجامعات للتوصل لتفاهم ورؤية مشتركة حول حل النزاعات وتحقيق السلام ليس في السودان فحسب، بل دول المنطقة).
وأما المهندس إبراهيم محمود حامد مساعد رئيس الجمهورية خلال لقاءه بالوفد الأمريكى فأكد (عزم الحكومة على المضي قدما في الحوار الوطني بوصفه الوسيلة الوحيدة لتحقيق السلام و الأمن و الاستقرار في السودان).
رغم ان زيارة الوفد الأمريكى تعتبر زيارة غير رسمية مع ذلك لايجب التقليل أو تجاهل النتائج التى سترتتب عليها.
هل ستشهد العلاقات بين البلدين تطورات إيجابية فى ضوء التواصل بينهما؟ وهل ستقدم واشنطون أطروحات جيدة للسودان فيما يتصل بالسلام وتطبيع العلاقات تتجاوز مواقفهما السابقة؟

0 التعليقات:

إرسال تعليق