السبت، 26 مارس 2016

رفضوا التفاوض وخسروا الحرب!


بالنظر إلى التطورات المفصلية الأخيرة للحركات الدارفورية المسلحة (حركة جبريل ابراهيم ومناوي وعبد الواحد) وما أفضت اليه المواجهات المريرة -كلٌ على حدا- مع القوات الحكومية من هزائم بالغة الأثر والمرارة، فإن مصير هذه الحركات المسلحة قد تحدد تماماً وخياراتها قد انقضت بكل ما فيها من سوء وإذلال!
الحركات الدارفورية الثلاثة تلقت خلال أشهر قلائل ما يمكن أن نطلق عليها (هزائم عسكرية) غير مسبوقة، وهي في الغالب هزائم من الصعب بعدها إعادة بناء النفس، أو القبول بالتفاوض، أو التظاهر بالوجود السياسي على المضمار السياسي. كل هذه الخيارات بدأت تتسرب من هؤلاء تباعاً على الرغم من أنها نتيجة منطقية وظللنا نؤكد عليها منذ سنوات، لأن هذه الحركات وبسذاجة منقطعة النظير ساورها الاعتقاد انها سوف تحارب حتى النصر! وأنها داخلة إلى الخرطوم دخول الفاتحين.
هزيمة جبريل ابراهيم فى (قوز دنقو) لم تقف عند حدود الهزيمة العسكرية. الهزيمة دفعت بمجموعة ضخمة من (ما تبقى) من المقاتلين للإلتحاق بالعملية السلمية. بالمنطق السياسي والعسكري، فإن هؤلاء المنشقين أدركوا ألا طريق آخر بعد هذه الهزيمة، فلا توجد جهة داعمة وراعية من المؤمل أن تعيد ترتيب الصفوف والتجنيد والتدريب والتسليح -كما كان يحدث في السابق- ولا القيادة نفسها -وهي على هذه الحالة المزرية- ترضي بالتفاوض.
جبريل ابراهيم فقد في أشهر معدودات أكثر من ثلاثة أرباع مقاتليه وقواده وأفضل الأسلحة الحديثة التى ما تزال حسرة كمبالا عليها تنضح مراراً وندماً! عبد الواحد محمد نور أزمته كانت أعمق وأشد مضاضة. الرجل فقد في غضون اقل من شهرين 90% من قواته إما بالانشقاق أو التسليم، وهو أمر موثق بولاية وسط دارفور وشرقها وشمالها، وإما بالهزيمة في الميدان، إذ ليس أشد من اندحار عبد الواحد في جبل مرة وما جاورها أن امتحانات الشهادة السودانية و بعد قرابة الـ14 عاماً عادت لتنعقد فى المنطقة هذا العام!
عبد الواحد طار إلى كمبالا بلا جدوى ثم إلى جوبا، بلا جدوى ثم عاد إلى كمبالا مرة أخرى بدموع وتقاطيع وجه هي مزيج من (الخوف والرجاء) ولكن بلا جدوى، ثم فكر فى الطيران الى باريس، ولكن معلوماته المؤكدة قطعت له بأن باريس لم تعد كباريس ساركوزي وكوشنير! ثم بذل جهداً مضنياً ليطير إلى تل أبيب، يقبل كل شروط الموساد والشين بيت ويزيد عليها، ولكن تل أبيب فيما يبدو لم تحسن فكرة استقبال مهزوم، يبحث عن نتائج سريعة على الأرض عسيرة التحقق!
عبد الواحد فى حيرته هذه، استغرقته تماماً ملذاته التى تنزع عنه عقله و تتيح له فرصة الاستعصام بالخيال والأماني والأحلام! ما أقسى التاريخ حين يفضح من يعبث بحقائقه وحتمياته .
مني أركو مناوي ليس أقل تعاسة من رفيقيه، جبريل وعبد الواحد، فهو حتى في ظل (متاهته) في الصحراء الليبية يتلقى الهزائم تلو الهزائم وتستحيل لديه فكرة أن يقنع من الغنيمة بالإياب. حتى عودة مقاتليه من هناك لم تعد ممكنة ـ فقد ذهبوا ليقبروا في صحراء ليبيا القاحلة بلا شواهد ولا شاهد.
مجمل وجوهر هذه المصائر المؤلمة تبدأ وتنتهي بالفكرة غير السديدة بأن مجموعة مسلحة من منطقة بعينها تسعى لإخضاع وطن بكامله لصالح أهوائها! ثم ترفض بغباء كامل وسوء تقدير عجيب أدنى طريقة تفاوض تحقق ولو جزءاً من الأهداف. مجموعة مسلحة اهاجت العالم ضد بلادها بلا أدنى حياء وطني وبلا قضية لكي تجعل من موطنها مهطباً للوحي الدولي وجحيماً لأعداء لا يكفون عن تسعير نيران الشقاء للسودان أياً كان من يحكمه!

0 التعليقات:

إرسال تعليق