خسرت قوى المعارضة سانحة الحوار بمعطياته الثمينة في الفترة التي سبقت الانتخابات العامة، حين كان متاحاً أمامها عاماً كاملاً تتحاور فيه ربما يفضي الحوار إلى واقع سياسي جديد أو حتى مناسب لها. وكلنا يعرف أن خسارة قوى المعارضة لذلكم الحوار بمعطياته تلك كان بسبب فقداها الذكاء السياسي وإجادة استغلال الفرص.
ثم خسرت قوى المعارضة عن عمد وسبق إصرار معطيات الاستحقاق الانتخابي وما كان من الممكن أن يحققه لها من معرفة الأوزان السياسية ومعرفة مكامن ضعفها، والمدى الذي خلفته المتغيرات على مدي ربع قرن من الزمان على جماهيرها ومعاقلها التاريخية وكيفية سد الفجوة ومعالجة مكان ضعفها ومعرفة قوة خصومها.
بل إن القوى السياسية التي قاطعت العملية الانتخابية خسرت شرف الإسهام في ترسيخ آلية التداول السلمي للسلطة، إذ انه وفى حين تجأر العديد من قوى المعارضة في العديد من الدول المحيطة بالشكوى من عدم إقامة الانتخابات العامة فإن المعارضة السودانية -هي الوحيدة- التي عكست الوضع تماماً حين تمسكت بمقاطعتها في الوقت الذي ظل النظام الحاكم يتمسك بإقامتها!
ولعل الأمر الأكثر إيلاماً للعديد من قادة القوى المعارضة أن الانتخابات العامة التي جرت في ابريل 2015 جاءت نزيهة وحرة وبمشاركة معقولة. كل ذلك جرى ومثل خسائر فادحة للقوى السياسية المعارضة وهو أمر مضي ومن الصعب إرجاعه ولكن هناك الآن خطر ماحق ويواجه قوى المعارضة يتمثل في احتمال خسرانها هذه المرة أيضاً لثمار الحوار الوطني ومن ثم خروجها من مضمار اللعبة نهائياً. إذ الملاحظ أن القوى التي عارضت الحوار بمعطياته تلك -ما قبل الانتخابات- ثم عارضت العملية الانتخابية، ما تزال تراهن على حوار بذات المعطيات والثمار القديمة المرجوة (تفكيك النظام، وضع انتقالي، ثم انتخابات)!
وبغض النظر عن مدى استقامة هذا الأمر مع طبيعة المرحلة المقبلة، فإن ما يلوح في الأفق الآن أن ذات تلك القوي بذات ذهنيتها السياسية سوف تخسر الحوار المقبل لا محالة. فهي حتى الآن تتشكك في آلية 7+7 وتتشكك في إمكانية انعقاد الحوار، بينما الأمور في الآلية تمضي دون توقف!
خسارة هذه القوى لثمار الحوار المرتقب خسارة متوقعة لأن هذه القوى السياسية: أولاً، تنتظر أن تحصل على تنازلات من الحزب الحاكم الآن قبل الحوار! والحزب الحاكم في هذه اللحظة يمتلك شرعية دستورية جيدة وطازجة تجعله في حل من أي ضغوط مهما كانت قوتها، فهو ومجموعة من القوى السياسية حاصلين للتو على ثقة الناخبين السودانيين ومفوضين لإدارة الشأن السياسي في البلاد. من الصعب مطالبة الحز ب الحاكم في الظروف هذه بتنازلات. ومن الصعب إذا ما طولب أن يستجيب.
ثانياً، هذه القوى لا تملك تذكرة انتخابية تفصح عن جماهيرها ومن ثم فهي (مشكوك في شعبيتها) إلى حين خوضها عملية انتخابية بما يقود إلى أنها ومهما مارست من ضغوط فهي ضغوط كرتونية لا تستند على وزن سياسي ملموس.
ثالثاً، هناك إمكانية لاستمرار عملية الحوار كما يقولون -بمن حضر- طالما أن أزمة الحكم قد تم حسمها عن طريق الاستحقاق الانتخابي وبذا ينتهي مبرر إمكانية الانتفاض على الحكومة وهذا أكثر ما سوف يؤلم القوى السياسية التي قاطعت الحوار في بداياته ثم أهدرت فرصة الانتخابات العامة وجاءت في مؤخرة الأحداث.







0 التعليقات:
إرسال تعليق