لم يكن مغزى تعسُّر ولادة الجهاز التنفيذي الجديد -الحكومة السودانية الجديدة- مرده إلى خلافات داخل المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني الحاصل على الأغلبية في الانتخابات العامة الأخيرة التي جرت في ابريل الماضي؛ ولا لأسباب تعود إلى صراعات داخل الحزب حتى ولو بدا للبعض ذلك، ولكن الأمر الجدير هنا بالاهتمام والتركيز أن أسباب تعسر ولادة الحكومة الجديدة ومن ثم ولادتها على النحو الذي تمت به يمكن ردها إلى عدد من الاعتبارات:
أولاً، إن طبيعة تحديات المرحلة الصعبة المقبلة -وبما يشبه الامتحان التاريخي الصعب للمؤتمر الوطني- جعلت من الحزب ومكتبه القيادي على وجه الخصوص يحسب حسابات سياسية معقدة للغاية ويكثف ماعون التشاور والنقاش حتى تكون النتيجة موازية لطبيعة هذه التحديات، إذ أن المعايير هذه المرة على وجه الخصوص تتجاوز مجرد إرضاء هذا الطرف أو ذاك، أو عكس صورة من مصور الوفاق؛ الأمر هذه المرة استدعى وضع قواعد قاسية وصارمة للغاية من المؤكد أنها سوف تبرز بوضوح في الأيام المقبلة.
ثانياً، مع أن سلطة تشكيل الجهاز التنفيذي (الحكومة) –وبنص الدستور الانتقالي 2005 تعديل 2014 هي سلطة مكفولة لرئيس الجمهورية إلا أن الرئيس البشير ولأنه يتحمل المسئولية التنفيذية والسياسية فضل أن يجري تشاوراً عميقاً بحثاً عن أفضل العناصر القادرة على العطاء.
الرئيس البشير كان من الممكن أن يدفع بقائمة من الوزراء والولاة بحسب تقديراته ويحصل على موافقة فورية من المكتب القيادي ولا يملك الأخير في هذه الحالة سوى الموافقة إذ ليس من حقه أن يتمسك بموقف من المواقف، ولكن دوران النقاش لأكثر من 3 اجتماعات حول هذه القوائم فيه إشارة إلى أن الرئيس أبدى حرصاً كاملاً على أن يعمل في سياق قيادة جماعية وأن يبتعد عن الانفراد بالسلطة.
ثالثاً، قائمة الوزراء وكبار المسئولين التي أسفرت عنها المشاورات لا يُنظر إليها -كما يفعل البعض خطأً- على أنها مجرد إحلالات وإبدالات للبعض من هنا إلى هناك ثم إدخال عناصر جديدة؛ العملية عملية (تجانس) في الفهم، ومزاوجة بين الخبرات والتجارب للخروج بجهاز حكومي متكامل.
بمعنى أدق فإن الصورة الكاملة للتشكيل الوزاري يمكن القول إنها نابعة من وحي إدراك الرئيس شخصياً بأن الذين وقع عليهم الاختيار -قدامى وجدد- يشكلون في مجموعهم النهائي خلاصة الجهاز القادر على إيفاء المرحلة المقبلة حقها كاملاً، ومن الضروري هنا احترام رؤية الرئيس ومكتبه القيادي.
رابعاً، استسهال البعض لعملية اختيار الطاقم الوزاري ظناً منهم أن الحزب يعرف كوادره ويعرف كيف يدير حكومته هو الذي أثار التساؤلات حول تأخر عملية الاختيار ولكن من الناحية العملية فإن عملية الاختيار ليست سهلة. هناك مطلوبات صعبة للمرحلة المقبلة، هناك حاجة لأداء رفيع يستلزم تضحيات جسيمة، هناك عمل يراد له أن يتزامن مع وضع انتقالي حين تنقضي بعد 5 سنوات دورة الرئيس البشير ويجأ الحزب لاختيار خلف له. التمهيد لهذه النقلة الصعبة يستلزم أداء من نوع خاص.
خامساً، التعامل مع القوى السياسية الأخرى وقياس مشاركتها في الجهاز التنفيذي مقروءاً مع ما حققته في الانتخابات العامة يستلزم قدر من الحيطة والحذر والدقة، إذ ليس مطلوباً أن يتم إشراك كل هذه القوى، كما ليس من الضروري أن تتم المشاركة بنسبة ما حققوه -كل على حدا- من نجاحات في الانتخابات العامة.
الأمر هنا يخضع لمعايير الكفاءة والقدرة على الانسجام والقدرة على احتمال صعوبات المرحلة المقبلة وليس فقط مجرد المشاركة استناداً على نسبة برلمانية معينة أو قاعدة جماهيرية محددة. وهكذا، يمكن القول إن واحدة من أهم وابرز مظاهر التحول المنتظر في المرحلة المقبلة هذا التأني وهذه الدقة التي أثارت ضجر البعض في اختيار الطاقم الوزاري الذي سوف يتحمل مسئولية بناء الدولة في المرحلة المقبلة، فقد لمسنا تأكيداً واضحاً من خلال هذه المشاورات على أن الأمور هذه المرة تبدو مختلفة تماماً عن ما مضى، ولو لم يمكن الأمر كذلك لما استغرقت عملية الاختيار دقائق معدودة!







0 التعليقات:
إرسال تعليق