لن يختلف اثنان مهما كانت نظرتهما إلى واقع الأمر في السودان على أن السودان يستشرف مرحلة جديدة مختلفة تماماً. صحيح أن خصوم الحكومة ما يزالون على اعتقادهم بأن الحكومة ماضية في ذات توجهها غير عابئة بمطالباتهم، وصحيح أيضاً إن المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي ما يزالوا ينظرون بذات المنظار السابق إلى خطوات الحكومة ولا يعبئوا كثيراً بتطورها على كافة الأصعدة؛ ولكن لا شك أن المرحلة المقبلة على الأقل بالنسبة لداخل السودان ستكون مختلفة وحافلة بالانجازات التاريخية الكبيرة.
الأمر هنا لا يتصل بالنبوءات أو ضرب الرمل والإكثار من التوقعات ولكن يتصل بمؤشرات بعينها ماثلة واضحة للعيان ضمن معطيات الراهن السياسي السوداني وهي: أولاً؛ تزامن هذه الدورة الحكومية الجديدة مع انفتاح نسبي مبشر في علاقات السودان الإقليمية لا سيما المحيط العربي الخليجي حيث يبدو السودان عضواً فاعلاً في قضايا المنطقة وهي علاقات من شأنها إعطاء نكهة مختلفة ومذاق مغاير لما سبق سواء على صعيد الاقتصاد والاستثمار باعتباره واحداً من أهم وابرز قضايا البلاد، أو على صعيد تقليل الضغط الدولي والتآمر -إذا جاز التعبير- على السودان، وهي كلها أمور تتيح للحكومة الجديدة التحرك بسهولة وفاعلية لانجاز أمور لم يكن سهلاً انجازها في السابق.
ثانياً، إدراك المؤتمر الوطني -كحزب صاحب أغلبية- أن المواطن السوداني لم يتفاعل بالقدر المناسب أو المطلوب في الانتخابات الأخيرة جعله كحزب يعمل على معالجة هذا الأمر مهما كلفه الأمر، إذ ليس المقصود هنا الحصول على قاعدة شعبية اكبر فحسب ولكن ترسيخ التصاق الحزب بهموم الشعب كأمر طبيعي لحزب له تجربة وخبرة أن يعمل لتحقيق طفرة في شتى المجالات.
المؤتمر الوطني أدرك جيداً أن من الضروري أن يعمل على تغيير تكتيكاته واستراتيجياته، إذ ليست كل المراحل واحدة متماثلة، هناك دائماً تحديات تعقبها تحديات، وفى الغالب فإن التحديات هذه تستلزم -في كل مرة- أداء معين وتعاملاً من نوع خاص. وهي أمور في مجملها جيدة لأنها تتيح للحزب ترقية وتطوير نفسه ومعالجة مواطن قصوره وسد ثغراته وعدم الاستسلام للظروف، وإذا شئنا الدقة والإنصاف فإن هذا المسلك من الأمور التي تحسب بايجابية لصالح المؤتمر الوطني كونه حزب مثابر وقادر على العطاء ومواجهة التحديات.
ولهذا لن يكون غريباً أن يسعى الوطني لتحقيق طفرة في أدائه في المرحلة المقبلة ولو تحت شعور ضاغط انه مطالب بأداء مضاعف ليحافظ على وهجه وبريقه السياسي.
ثالثاً، المؤتمر الوطني كحزب بكل التجربة الممتدة لـ25 عاماً أو تزيد يواجه في الدورة الجديدة هذه مهمة صعبة وهي عملية نقل القيادة إلى جيل جديد على اعتبار أن الرئيس البشير سوف لن يكون متاحاً له أن يترشح في الدورة القادمة حسب نصوص الدستور من جهة، ولضرورات التغيير المطلوبة من جهة أخرى، وهذا ما يحتم على الرئيس البشير أن يختار طاقماً وزارياً من القوة والكفاءة بحيث تضع القيادة الجديدة في موضع ارفع لتنجز هي اكبر ما يتم انجازه في الدورة الحالية من جهة؛ ولكي يتمكن الرئيس البشير نفسه من تحقيق ما لم تمكنه الظروف السابقة من تحقيقه.
رابعاً، القوى السياسية الأخرى -بخلاف المؤتمر الوطني- سواء ليس كانت معارضة أو متصالحة بدرجة ما مع الوضع القائم أدركت أن الوطني ليس خصماً سياسياً سهلاً من الممكن إزاحته بانتفاضة شعبية أو عبر استحقاق انتخابي أو خلافه ولهذا فإن الطريق الوحيد للمستقبل لهذه القوى السياسية هو أن توطن نفسها باتجاه ترسيخ الممارسة الديمقراطية القائمة مع العمل على تطويرها.
القوى التي خاضت الانتخابات الأخيرة لا شك أنها قوى ناشئة وبدأت تحوز على تجارب وخبرات، ربما يكون هذا الوضع مدعاة لتطوير الممارسة، وهذا ما يجعل من احتمال لم الشمل الوطني –باتفاقات ثنائية أو بحوار وطني شامل– أمر متوقعاً بدرجة كبيرة للغاية ومن ثم فإن مثل هذا الوضع يتطلب أن يؤدي الوطني وشركاؤه في الحكومة أداء فوق العادة، أداء يراد به محاصرة التحديات وخلق روح جديدة للمنافسة والتسابق نجو تحقيق غايات شعب السودان.
لكل هذه المؤشرات والمعطيات الواضحة فإن المرحلة المقبلة بلا أدنى شك هي مرحلة السودان الحقيقية. السودان فقط ولا شيء غير السودان.







0 التعليقات:
إرسال تعليق