الخميس، 1 مايو 2014

حركات دارفور المسلحة متى يعود الوعي؟

ربما لا تدرك الحركات الدارفورية المسلحة إدراكاً كاملاً ما هي عليه الآن وما قد يؤول اليه مصيرها فى المستقبل القريب. السلاح الذي تحمله هذه الحركات المسلحة يحجب عنها الرؤية السياسية الجيدة ويجعلها -كما متعاطي المخدرات- تعيش في عالم من الاحلام والرؤى غير الحقيقية.
السلاح أسوأ عنصر مخادع فى أي عملية سياسية في أي بلد، ففي سطور التاريخ فإن سقوط هتلر المريع تحت سنابك خيل الحلفاء وهزيمته الماحقة بعد أن كان ملء السمع والبصر وآفاق الدنيا بأسرها كان خير دليل على ان السياسة لا تدار أبداً عبر فوهة السلاح.
الآن الحركات الدارفورية المسلحة -لدهشة العديد من المراقبين- لم تتفاعل مطلقاً حتى ولو بقدر يسير مع دعوة الحوار الوطني. وبدا للكثيرين وكأن هذه الحركات المسلحة ستقضي (ما تبقى) من عمرها وهي تجوس خلال ديار أهلها قتلاً وحرقاً وتدميراً.
فلو كان حملها للسلاح من البداية جراء مظالم حقيقية وعبر شعور سياسي بالظلم، فإن اقصى ما يتطلع إليه كل من ألجأته الظروف الى حمل السلاح هو أن يستمع اليه الطرف الذي بيده السلطة وأن يقرّ له بمظالمه وأن يسعيا -معاً- لإزالة ذلكم الظلم عبر التفاهم والحوار والأخذ والرد.
لم يحدث قط فى التاريخ ان تمكنت حركة مسلحة مختلفة في رؤاها وبعضها فاقد حتى لتلك الرؤى أن أوصلها السلاح الى مبتغاها حتى ولو كان ذلكم المبتغى هو فقط المغامرة بغية الوصول الى السلطة. ويكفي هنا نموذج الحركة الشعبية الجنوبية فى دولة جنوب السودان ومع أنها تمتعت بمزية كونها حركة موحدة وتفاوضت وهي موحدة ووصلت الى الانفصال وهي موحدة؛ إلا انها سرعان ما سقطت فى مستنقع الصراع الآسن وغرقت فيه الى أذنيها تماماً.
الحركات الدارفورية المسلحة واقعها أسوأ بكثير من واقع الحركة الشعبية وليس من المنظور ومهما كانت حقائق الواقع في السودان ان تنجح هذه الحركات فى دخول الخرطوم فاتحة. وعلى ذلك فإن إصرار هذه الحركات على عدم التفاوض هو فى الحقيقة بمثابة اصرار على الخسارة فقد اثبتت أحداث التاريخ أن الظروف المواتية للتفاوض لا تتكرر وأن الرفض المتواصل للتفاوض فى كثير من الاحيان يقود صاحبه في نهاية الأمر الى اختيار أسوأ توقيت، أو أن يفقد تماماً مزية التفاوض وتدور فى وجهه عجلة التاريخ.
الامر الثاني ان هذه الحركات المسلحة لا تجيد القتال نفسه فهي حتى الآن -وطوال عشرة اعوام- لم تستطع احتلال منطقة ذات اهمية ولو يسيرة فى دارفور، وعدم إجادة القتال ولا تعني هنا عدم مقدرتها على القتل والتدمير فالقتال المقصود هنا، هو إدارة الصراع العسكري على صعيد الميدان العسكري تزامناً مع الميدان السياسي بحيث يكون الجهود الممزوج عنصر دفع للوجود والتأثير السياسي للحركة المعنية؛ ولكن واقع الحال لهذه الحركات يشير الى انها تلوذ لفترة بأماكن نائية خفية وحين تتحرك يحركها الجوع وتدفعها الحاجة فتهاجم أقرب منطقة ضعيفة لتنال ما تريده ثم تفرّ هاربة.
الحركات بهذا المسلك اللصوصي أصحبت مكروهة -كأمر طبيعي ومتوقع- من قِبل أهل دارفور، فهي عدوهم الاول لأنها تنهب وتقتل لكي تعيش! وعلى ذلك فإن ظهور هذه الحركات بهذه الصورة وترسخها فى ذهن العامة بكونها حركات نهب ولصوصية وترفض التفاوض مهما وجدت من عروض يجعل منها فى نهاية المطاف مجرد مجموعات مسلحة تشبه عصابات الجريمة وبمرور الوقت وجريان مياه كثيرة تحت الجسر فإن التاريخ يضعها فى مؤخرة سطوره طاوياً صفحتها المقتية.

0 التعليقات:

إرسال تعليق