ثبت وبما لا يدع مجالاً للشك أن السلاح والعمل السياسي المسلح لا يحقق مطلقاً أية أهداف سياسية وطنية حقيقية. قد يحقق على المدى القصير جداً شهرة سياسية أو ثروة مالية وحسابات مصرفية وهالة إعلامية إقليمية ودولية ولكنه لا يحقق على المدى المتوسط والبعيد أية نتائج سياسية وطنية مفيدة.
الآن ترنحت الجبهة الثورية وربما تكون قد تهاوت تماماً وأصبحت في ذمة التاريخ. ترنح الجبهة الثورية كان متوقعاً منذ لحظة تكوينها لأنها ببساطة كانت (تجمعاً للسلاح) قط وليس تلاقي في إرادة سياسية وطنية، كما أن تمويلها تمويل اجنبي بفوائد طويلة الأمد للغاية. سقوط الثورية حتى ولو أنكره البعض أو بدا وكأنه حاث عرضي دليل دامغ على استحالة نجاح السلاح في تحقيق الأهداف السياسية فالحركة الشعبية الجنوبية التي أنشأها د. جون قرنق ورغم كل المجد السياسي والصيت الإعلامي والدعم السخي والعون الدولي الخفي والمعلن انتهي بها المطاف أخيراً لتكون على قيادة (دولة فاشلة) بكل ما تعنيه الكلمة اصطلاحاً ووقعاً ولا يلوح في الأفق احتمال انتهاء فشلها.
هنالك بذور في الأرض الجنوبية قد تعود من جديد لتنبت صراعاً جديداً وذلك ببساطة لان الجيش الشعبي الذي كونته الحركة الشعبية في العام 1983 تأسس على فرضية الحرب والقتال، وأن السلاح هو كل شيء ومن الطبيعي حين تنتهي الحرب حيث لا توجد حرب دائمة أن يعود هؤلاء لاستخدام ذات السلاح فيما بينهم ليحقق كل منهم (هدفه الخاص) بعد أن توهموا أنهم حققوا هدفهم العام.
الحركة الشعبية الجنوبية رغم كل إمكانياتها أيام الحرب ورغم كل التسهيلات الخارجية التي وجدتها إلا أنها -حتى الآن- لم تمتلك كوادر وعناصر قيادية مدربة قادرة على إدارة الدولة. كما لم يكن لديها وما تزال لا تملك (برامج للتنمية والتطوير).
دولة جنوب السودان حتى الآن تجري فيها الأمور (بأية طريقة) المسئولين يفضلون أي شيء. الأموال متاحة لمن له القدرة على أخذها من كبار المسئولين. لم يتم التخطيط لمشروعات تنموية أو خدمية فضلاً عن أن يفكر فيها أحد. مواطنو دولة جنوب السودان يقرّون بأفضلية زمن الحرب على عهد الدولة الجنوبية الوليدة! هذا كله لأن السلاح وحده هو الذي أسس الذهن السياسي وأسس لطبيعة تصرفات القادة ولذلك السلاح سيظل لعقود طويلة قادمة هو (الحاكم الوحيد) الفعلي في الدولة الوليدة.
والمدهش في الأمر أن السلاح نفسه لم يستطع أن يدير الصراع الحالي -إدارة جنوبية خالصة- فقد اضطر طرف في الصراع للاستعانة لقوات أجنبية بكامل عتادها قواتها! والأكثر إدهاشاً أن السلاح نفسه ليس هو الذي أعطى الجنوبيين دولتهم الوليدة هذه وإنما السياسة والمفاوضات وزهد الشمال في استمرار الحرب وضرورة إيجاد حل سياسي سلمي.
إذن ليس هناك شك في أن السلاح هو الأسوأ في إدارة الصراعات السياسية ولهذا كان الأمر المستغرب أنه وحتى بعد ظهور تجربة الحركة الشعبية الجنوبية (التي ضربت مثلاً حيا للفشل) يواصل البعض في السودان أسلوب استخدام السلاح.
كان غريباً أن تحذو بقايا الحركة الشعبية (قطاع الشمال) نفس حذو الحركة الشعبية الجنوبية ولا تكتفي بذلك بل تجر إليها (قوى دارفورية مسلحة) لتسقى هي الأخرى ذات الكأس ولكنه ولأن التاريخ لا يحتمل التكرار الممل المميت، فإن التاريخ نفسه أبى أن يدون للجبهة الثورية مجداً من الأمجاد.
الجبهة الثورية الآن وعلى اقل تقدير فقدت عنصر التماسك تماماً. صار من المستحيل (رتق نسيجها) من جديد إلا بتنازلات قاسية تساوي في محصلتها ذات مصير الانهيار الحالي. الحركات الدارفورية المسلحة -لسوء حظها- قادت تحركاً داخلياً فات أوانه فهي (انتفضت) بعد أن أصبحت اضعف من أن تساوي شيئاً حتى ولو لأغراض المفاوضات.
قطاع الشمال هو الآخر انكشف تماماً، فهو يتدثر بهذه الحركات المسلحة ويريد أن يبدو (سميناً) في مظهره! إن تجربة العمل السياسي المسلح في السودان وضعها التاريخ في موضع العبرة والدروس (المجانية) لمن يتعظون بالتاريخ فالسلاح في دولة مسالمة بطبيعتها مثل السودان لا يستطيع أن يحقق هدفاً سياسياً، ولو فعل، فإن الأمر لا يدوم ولو للحظات وإن دام فإن الفرقاء الذين يحملون السلاح سوف يهدمونه بأنفسهم!







0 التعليقات:
إرسال تعليق