الخميس، 7 سبتمبر 2017

“الغزو الناعم”



من المقرر أن تستضيف لومي عاصمة توغو الشهر المقبل، مؤتمر “أفريقيا- إسرائيل” بمشاركة (20 إلى 25) من قادة الدول الأفريقية في ظل مخاوف إسرائيلية من ضغوط عربية لعرقلة قيام المؤتمر الذي سيناقش
سبل تعزيز التعاون التكنولوجي والتجاري والأمني بين إسرائيل والدول الأفريقية، وسيعمل على تحسين المكانة الدولية لإسرائيل وتنظر إسرائيل باهتمام كبير لأفريقيا، واستقبلت تل أبيب قبل فترة فاورا غناسينغبا رئيس دولة توغو الذي أطاحت به الثورة الشعبية قبل أيام من حكم توغو، وكانت تطمع في جهوده لإقناع القادة الأفارقة بالمشاركة في المؤتمر، وتعد توغو من الدول الأفريقية التي تصنف علاقاتها بإسرائيل بأنها الأقوى، وقد صوتت توغو إلى جانب كل من رواندا وكينيا وبوروندي لصالح الموقف الإسرائيلي في الوكالة الدولية للطاقة الذرية, وتسعى من خلال القمة لكسب تعاطف رجال الأعمال الإسرائيليين الذين يستثمرون في قطاع التعدين وتحديداً الفوسفات، ورفضت الحكومة السودانية والمغربية قيام المؤتمر، وأفصح الجانبان عن ضرورة وقف التمدد الإسرائيلي في القارة.
ومن المعلوم أن القارة الأفريقية لم تكن غائبة عن العقل الاستراتيجي، وأخبار التغلغل الإسرائيلي في دول القارة السمراء ليست بالأمر الجديد، وتشير بعض الدراسات إلى أن الإسرائيليين اشتغلوا بعمق على القارة الأفريقية وبحثوا عن مداخل موضوعية لربط الصلات وكسر الحصار المضروب عليها، ويعد ظهور مفهوم (الصهيونية السوداء) أحد أبرز التأسيسات النظرية التي اعتمدتها إسرائيل للتقرب من الشعوب الأفريقية والصهيونية السوداء، هي دعوة كانت قد انتشرت في أمريكا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، من قبل بعض القيادات السود الذين تبنوا قضايا حقوق الإنسان ونشر الوعي الأسود، حيث ربطت بين مصطلح العودة في الفكر الصهيوني إلى أرض الميعاد وبين عودة السود الأمريكان إلى جذورهم الأصلية في أفريقيا، وبرغم فشل هذه الدعوة استغلت إسرائيل هذه الأرضية الفكرية للترويج لفكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين والتغلغل في الدوائر الأفريقية والإعلامية داخل الدول الأفريقية، وتاريخياً تشكل القارة الأفريقية هدفاً لدولة الكيان الإسرائيلي التي ظلت حريصة على مد جذور التواصل مع دولها، وكانت قبل ذلك عضوا مراقبا في منظمة الوحدة الأفريقية، وظلت تدغدغ الأفارقة بالتنمية في الخدمات والتسليح، ومن هنا بدأت إسرائيل في خطتها لحجز موقع في القارة.
عملياً يمكن القول إن الصراع حول موارد القارة السمراء سوف يدخل مرحلة متطورة في أعقاب تكشير دولة الكيان الصهيوني عن أنيابها ومطامعها الصريحة التي استبانت مؤخراً، حيث سبق وأن قام رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل عامين بجولة أفريقية قدم فيها عربون زيادة روابط الصداقة القديمة مع أفريقيا. ويأتي التحرك الإسرائيلي نحو القارة التي توصف بأنها مستقبل العالم للحاق بالسباق الدولي المحموم نحو الظفر بجزء من كيكة الموارد الضخمة التي ترقد عليها أفريقيا، ومعلوم أن صراعاً بائناً اشتعل في السنوات الفائتة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية حول القارة، كلها تريد بسط يدها للاستفادة من الثروات الهائلة والإمكانات الكبيرة لأفريقيا وتأمين المستقبل. وبحسب مراقبين فإن دخول إسرائيل في هذا التوقيت يأتي استجابة لأطماعها القديمة ومتماشياً مع سياسة إحكام قبضتها على القارة وتنفيذ مخططاتها، لذلك تدفع بطلبها القديم المتجدد بضمها كعضو مراقب في منظومة الاتحاد الأفريقي، وهو الطلب الذي قوبل برفض قاطع وموقف ثابت من الدول الأفريقية أكثر من مرة، الطلب وإن لم يتم التداول حوله في القمة الأخيرة التي انعقدت برواندا رغم وجود تأكيدات تشير إلى طلب نتنياهو من القادة الخمسة الذين التقاهم في زيارته الأخيرة بدعم وتأييد طلب إسرائيلي بالانضمام كعضو مراقب في الاتحاد الأفريقي، يعلق عليه البعض بأنه ليس بمستغرب عدم التطرق إليه في القمة، ولكن في الوقت ذاته هناك من يشير إلى أن السياسة الإسرائيلية تتعامل بالنفس الطويل ولا تستعجل النتائج، وأنها سوف تظل تطرق على الموضوع وتقدم الطلب في كل مرة للاتحاد الأفريقي.
ويرى خبراء أن إسرائيل ستعمل على كسب الأفارقة من خلال الوعود بالتنمية والتكنولوجيا وتسليح الجيوش، سيما وأنها تعتبر أفريقيا مسرحاً حيوياً وتريد إيقاف المد الإسلامي نحو القارة والسيطرة على مياه النيل، وسيكون للدخول الإسرائيلي أثر وضرر كبير على البلاد في ظل موافقة مجموعة من الدول الأفريقية على استثمار رؤوس الأموال الإسرائيلية فيها، فضلا عن الأطماع بحصار البلاد والجارة مصر مائياً. ويؤكد الخبير الاقتصادي عادل عبد العزيز أنه في ظل الأوضاع الحالية فلن تتمكن البلاد من مواجهة إسرائيل، ويقول إن السودان لا يمتلك القدرة ولا التحالفات العسكرية التي ستمكنه من مواجهة إسرائيل، وينبغي عليه العمل على تقوية الجبهة الداخلية حتى لا يسهل اختراقها بعد أن عم الباطل وحوصر الإسلام في كل العالم.

0 التعليقات:

إرسال تعليق