الأحد، 26 يوليو 2015

الثابت والمتحول بين جوبا والخرطوم!


العلاقة بين الخرطوم وجوبا كان من الممكن ومهما كانت الظروف في جوبا أو الخرطوم أن تكون أفضل وأقوى وأكثر فائدة للطرفين، فهما بلدين جارين تربطهما مصالح قوية ما من عاقل يعبث بهذه العلاقة أو يغامر بها أو يخضعها لأي حسابات خاصة به.
الدولة عادة حين تجري حساباتها في أي أمر من الأمور، تضع اعتباراً أولاً وكبيراً للمصالح الإستراتيجية. غير أن حكومة جوبا وعلى العكس من كل دول العالم وحكوماته تؤذي نفسها وتسبب الضرر عن عمد وسبق إصرار لمصالح الدولة الجنوبية ولا تنظر إلى مخاطر ما تفعل.
هناك أمور ثابتة في علاقات الدولتين وهناك أمور يمكن القول إنها بها فسحة للمناورة. من الأمور الإستراتيجية الثابتة التي لا تحتمل المساس أو حتى مجرد الاقتراب منها أو التلويح بها مهما كانت الظروف: 1-علاقات حسن الجوار 2-المصالح الإستراتيجية العليا المتمثلة في الأمن المتبادل وتأمين الحدود بعد ترسيمها بالتراضي 3-الابتعاد عن التأثير السالب المتبادل من قبل كل دولة تجاه الأخرى 4- عدم التدخل في أي شأن يخص الدولة الأخرى مهما كانت الحسابات والمغريات.
أما الأمور المتغيرة التي من الممكن أن تجري حيالها حسابات مختلفة ومناورات فهي عديدة ولا تقع على حصر ولكن إجمالاً يمكن تحديد بعضها، مثل: 1- المنافسة الشريفة فى التطور والتفوق في كافة المجالات 2- الحصول على الدعم والاحتياجات الإستراتيجية كالأغذية والموارد والمجالات الفنية 3- حركة المواطنين بين الدولتين ونظام التأشيرة والإقامة و تبادل الوظائف والخبرات.
المؤسف حالياً في ما يخص جوبا أنها تعبث بكل هذه الأمور عبثاً لا يعطى أي اعتبار. فقد أدركت جوبا قضية الحدود عالقة، الأمر الذي تسبب في صعوبة السيطرة على حركة القوى المسلحة بين الطرفين. كما تركت جوبا قضية تأمين حدود البلدين رغم حيويتها وأهميتها نظراً لوجود حركات مسلحة سالبة تنشط في مواجهة كل بلد .
غامرت جوبا بدعم حركات مسلحة سودانية ضد الخرطوم بما قد يجعلها هي الأخرى عرضة لأمر مماثل لا تحملته ولا تطيقه. تدخلت جوبا في الشأن الداخلي للسودان بدعمها حركات محلة سودانية.
إذن جوبا تعبث بأمنها القومي الاستراتيجي وتعبث بصميم الأمور الإستراتيجية الثابتة المتعارف عليها دولياً الأمر الذي فاقم من تعقيد علاقاتها مع الخرطوم بحيث يصعب على الدولة الجنوبية ومهما فعلت على المدى القريب أن تنعم بأمن واستقرار كأي دولة، فهي ستظل تدفع ثمن وجود حركات مسلحة أجنبية على أرضها وحدودها حتى ولو توقف الصراع الداخلي لديها.
إن القادة الجنوبيين للأسف الشديد لم يعتبروا بدروس النزاعات التي جرت بين السودان وجيرانه وتحديداً كل من تشاد وارتريا في زمن مضى، حين كانت هذه الدول تدعم أنشطة مسلحة ضد السودان. لم تجد هذه الدول في خاتمة المطاف مفراً من مواجهة الموقف بشجاعة موضوعية فائقة حيث اضطرت للجلوس مع السودان والتوافق على وقف هذه الأنشطة، بل ووضع قوات حدودية مشتركة لأغراض تأمين الحدود.
جوبا لم تستفد من هذا الدرس مع أنها تتمتع بخصوصية أكثر من غيرها ومع أنها دولة ناشئة في حاجة ماسة لأي لحظة للاستفادة منها في بناء دولتها الوليدة.
إن الطريق لكي تخرج جوبا نفسها من ها الوضع المزري هو أن توقف أنشطة الحركات السودانية المسلحة وتقوم بطردها نهائياً من أرضها وأن تعقد اتفاقاً مع السودان لترسيم الحدود وتأمين هذه الحدود لأن هذه الأمور من الأمور الإستراتيجية المهمة للدولتين، والتي لا غنى عنها.

0 التعليقات:

إرسال تعليق